هل عقلك متعب؟ إليك أبحاث تسبر أسباب الإجهاد الذهني
31 December 2025
نشرت بتاريخ 29 ديسمبر 2025
تشكل الخلايا النجمية ربع الدماغ. مع ذلك، لم يبدأ الباحثون في إدراك قيمتها الفعلية إلا مؤخرًا.
لعقود، انصب تركيز علماء الأعصاب بصفة شبه حصرية على نصف خلايا الدماغ. كانت الخلايا العصبية النجم الأبرز في أبحاث علم الأعصاب، فيما اعتُقد أن ما عداها في الدماغ، مجرد أنظمة ثانوية داعمة، لا تسترعي الالتفات إليها.
لكن بحلول العقد الثاني من هذا القرن، كانت إنبال جوشين قد بدأت تساورها شكوك في صحة هذا المعتقد. وقد وجدت الإلهام في أدوات جزيئية مبتكرة، فتحت لها الباب أمام دراسة الدور الذي تلعبه مجموعة أخرى من الخلايا الغامضة، يطلق عليها "الخلايا النجمية". وما اكتشفته بشأن دور هذه الخلايا في التعلم والذاكرة ألهب حماسها وفضولها.
في البداية، شعرت بأنها تغرد خارج السرب، أو تعزف لحنًا منفردًا، لا سيما في مؤتمرات علم الأعصاب. فبتعبير جوشين، التي يقع مختبرها في الجامعة العبرية في القدس، خيل لها أن ما يتبادر لأذهان زملائها عند رؤيتها هو: "ها قد أتت غريبة الأطوار التي تجري أبحاثًا على الخلايا النجمية". وتعلل لذلك قائلة: "شكك كثيرون في جدوى هذا المبحث".
لكن ليس بعد الآن. ففي الوقت الحالي، بدأت أهمية هذه الخلايا في تشكيل السلوك والحالة المزاجية والذاكرة تتكشف في فيض من الدراسات المختبرية في العديد من مجالات علم الأعصاب. وبعد أن عُدت لوقت طويل مجرد خلايا ثانوية داعمة، بدأت تبرز كعنصر أساسي في تشكيل الصحة والمرض.
في هذا الإطار، تقول نيكولا ألِن، اختصاصية علم الأعصاب من معهد سولك للدراسات البيولوجية في مدينة لاهويا بولاية كاليفورنيا الأمريكية، والتي درست طوال مسيرتها المهنية الخلايا النجمية وغيرها من الخلايا غير العصبية (ويشار إلى النوعين معًا باسم الخلايا الدبقية): "الخلايا العصبية والدوائر العصبية هي وحدات المعالجة الرئيسية للبيانات في الدماغ، لكن الآن بدأ يتضح مدى تأثير الخلايا النجمية في عمليات المعالجة تلك". لذا، حسبما تضيف: "أصبحت المقاعد في المؤتمرات عن الخلايا الدبقية غير كافية دائمًا لاستيعاب أعداد من يسجلون رغبتهم في حضور هذه الفعاليات".
من الظل إلى الأضواء
منذ القرن التاسع عشر، أمكن للعلماء باستخدام مجاهرهم البسيطة أن يلاحظوا أن أدمغة الثدييات اشتملت على نوعين من الخلايا، تساويا تقريبًا في العدد؛ هما الخلايا العصبية والدبقية.
أما في القرن العشرين، فقد خلق ظهور تقنيات حديثة الجانب الأكبر من الاهتمام بالخلايا العصبية. وآنذاك، برهن باحثون يدرسون النشاط الكهربي لهذه الخلايا على الكيفية التي تخلق بها شبكات معقدة ترتكز عليها جميع الوظائف الدماغية.
فعند تنشيط الخلايا العصبية، تندفع إشارات كهربية على امتدادها بسرعة البرق، لتحفز مشابكها العصبية على إفراز نواقل عصبية كيميائية. وبعض هذه النواقل، مثل الجلوتامات، يستحث الخلايا العصبية المجاورة، في حين أن بعضها الآخر، مثل حمض الجاما-أمينوبيوتيريك (GABA)، يثبطها. وقد سنح لباحثين سبر آليات عمل هذه النواقل العصبية بدقة غير مسبوقة، مع ابتكار تقنية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تُعرف باسم "الالتقاط الرقعي". وفيها، تُغرس أقطاب كهربية في خلايا مفردة لقياس تدفق الأيونات عبر أغشية هذه الخلايا.
بالمقارنة، بدت الخلايا الدبقية خاملة كهربيًا، وتجاهلها أغلب الباحثون على اعتبار أنها مبحث ممل، غير جدير بالاهتمام. رغم أن بعض هذه الخلايا، مثل الخلايا الدبقية قليلة التغصن، يُغلف ويعزل الخلايا العصبية. وبعضها الآخر، ويُعرف باسم الخلايا الدبقية الصغيرة، يلعب دور الجهاز المناعي للدماغ. أما الخلايا النجمية، فكان الوقوف على وظائفها العديدة أكثر صعوبة.
لم يرتفع عدد اختصاصيي الدراسات الدماغية الذين ركزوا على الخلايا النجمية إلا بعد شوط طويل من العقد الأول من الألفية الجديدة. لكن حتى قبل ذلك، كانت بعض الاكتشافات الأساسية في دراسة هذه الخلايا قد تحققت1. فتحت المجاهر الضوئية، بدت الخلايا النجمية وكأنها تأخذ شكل النجوم، وتمتد بين الخلايا العصبية وأوعية دموية دقيقة في الدماغ، حيث تبعث إشارة إلى الأوعية الدموية لحثها على زيادة تدفق الدم أو خفضه، حسب النشاط العصبي، كما تستخلص من الدم جزيئات الأكسجين، وجزيئات حيوية أخرى، لنقل كل ذلك إلى الخلايا العصبية. فضلًا عن أنها تزيل النواتج غير المرغوب فيها من حول المشابك العصبية وتنظم مستويات الأيونات حول هذه المشابك. كما تستخلص الجلوتامات من حول الخلايا العصبية لمنع دوائر تحفيز الخلايا العصبية من الدخول في حالة نشاط مفرط، وتكسِّر هذا الناقل العصبي، ثم تعيد عناصر بنائه إلى الخلايا العصبية.
وقد بدأت الخلايا النجمية تبدو أكثر إثارة للاهتمام، عندما سنح قياس تدفقات الكالسيوم في الخلايا. إذ أظهر قياس هذه التدفقات أن الخلايا النجمية تعتمد على تذبذب مستويات الكالسيوم لتناقل الإشارات فيما بينها وبث الإشارات إلى خلايا أخرى استجابةً لجزيئات محددة في بيئتها، كما يحدث، على سبيل المثال عند فرط إفراز نواقل عصبية معينة (انظر الشكل "تأشير الخلايا النجمية"). وهذه الإشارات المعتمدة على الكالسيوم، والتي تنتقل ببطء مقارنة بتلك التي تتناقلها الخلايا العصبية، تبين أنها لها آثار هائلة. فهي تُحفز الكثير من العمليات، مثل إفراز المزيد من الجزيئات والأيونات ونواتج الأيض التأشيرية وغيرها من العناصر التي تؤثر في سلوك الخلايا العصبية والخلايا الدبقية الأخرى والأوعية الدموية.
ولما شكلت النواقل العصبية جانبًا كبيرًا من جزيئات التأشير، بدأت مجموعة صغيرة من الباحثين في العقد الثاني من الألفية تبحث في احتمالية لعب الخلايا النجمية لدور في نقل الإشارات الكهربية بسرعة فائقة في الخلايا العصبية. لكن أظهرت أدوات البحث التي ازدادت دقة على مدى العقد الماضي أو نحوه صورة مختلفة وأكثر تعقيدًا للخلايا النجمية. ونتيجة لذلك، تحول كثير من العلماء الذين ركزت أبحاثهم في السابق بصفة حصرية على الخلايا العصبية إلى استخدام هذه الأدوات لدراسة دور الخلايا النجمية في فسيولوجيا الحيوانات وسلوكها.
إذ لم يثبت أن الخلايا النجمية تلعب دورًا في نقل الإشارات العصبية بسرعة فائقة. بل على النقيض، بدأ يتضح على نحو متزايد أن الخلايا النجمية تنظم التعبير عن خلائط الجزيئات في البيئة المحيطة بالمشابك العصبية على نطاقات زمنية أطول كثيرًا من تلك التي تميز التأشير بين الخلايا العصبية، حيث تعمل على مواءمة هذا الخلائط تبعًا لحالة الدماغ، مثل درجة تنبّهه أو يقظته. وهذا الدور التنظيمي بالتبعية كان من شأنه أن يحسم ما إذا كانت الخلايا العصبية تطلق الإشارات العصبية، استجابة للإشارات الواردة من المشابك العصبية.
وبفضل التطور في تقنيات المجاهر الضوئية أمكن البرهنة على العلاقة الوثيقة بين الخلايا النجمية والعصبية. يأخذ الجسم المركزي للخلايا النجمية شكل النجوم. بالإضافة إلى ذلك، تبرز منها بنى معقدة من العديد من الأفرع التي تصبح أقل سمكًا وأصغر مع امتدادها لتشكل ما يُعرف بالوريقات التي لا يزيد عرضها على عشرة نانو مترات. وعند هذا المستوى من الاستبانة، تبدو الخلايا النجمية (التي تشكل ربع خلايا الدماغ) أقرب إلى الشجيرات الكروية منها إلى النجوم، وتملأ كل الحيز الموجود بين الخلايا العصبية دون أن تتداخل مع بعضها بعضًا 2. وفي الدماغ البشري، قد تتماس كل خلية نجمية مع ما يصل إلى مليوني مشبك عصبي. بالإضافة إلى ذلك، تختلف أنواع الخلايا النجمية باختلاف مناطق الدماغ 3.
وهذا الامتداد الشاسع للخلايا النجمية له آثار عميقة على الدماغ، على حد قول بالجيت كاخ، اختصاصي علم الأعصاب من جامعة كاليفورنيا بولاية لوس أنجلوس الأمريكية. فيقول: "في علم الأحياء، البِنية البيولوجية تحسمها الوظيفة". وقد ابتكر مختبره العديد من الأدوات الجزيئية والجينية التي تسمح بتنشيط أو تعطيل مسارات محددة لتأشير الكالسيوم في الخلايا النجمية، ما سمح للعلماء باستكشاف كل من هذه المسارات.
ومع أن الخلايا العصبية يمكنها نقل الإشارات العصبية التي تتحكم في وظائف الدماغ، بات الآن من الواضح أن الخلايا النجمية تعمل على ضبط هذه الإشارات من خلال تغيير البيئة حول المشابك العصبية، بحسب ما يفيد هونجكوي زينج، مدير معهد ألِن لأبحاث الدماغ في مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية. ومن هنا، يضيف زينج: "لهذا السبب، من المهم فهم جميع الخلايا الدماغية، لا الخلايا العصبية فقط".
الزمن والتعلم والذاكرة
حسمت دراسة الخلايا النجمية، على سبيل المثال، الإجابة على سؤال ظل يراوغ العلماء في دراساتهم للساعة البيولوجية للجسم، ألا وهو: كيف تحافظ منطقة النواة فوق التصالبية الدماغية (وهي مجموعة من الخلايا تؤدي دور الساعة البيولوجية الرئيسة للجسم) على انتظام الدورات البيولوجية للجسم في إيقاع يومي دوري يستغرق تقريبًا 24 ساعة؟ حول ذلك، يقول مايكل هيستينجز عالم الأحياء المتخصص في دراسة الساعة البيولوجية من مختبر البيولوجيا الجزيئية في مدينة كامبريدج بالمملكة المتحدة: "كان هذا لغزًا".
تتألف الساعة البيولوجية الرئيسة للجسم بصفة شبه حصرية من الخلايا العصبية التي تفرز حمض الجاما-أمينوبيوتيريك المثبط، ولم يتخيل أحد كيف قد يخلق نظام - يبدو أن وظيفته الوحيدة هي كبت النشاط العصبي - دورة بيولوجية يومية. فالساعات البيولوجية تحتاج إلى آلية تغذية راجعة كي يمكنها أن تستحدث ذاتيًا دورة منتظمة الإيقاع دون الحاجة إلى تأشير خارجي يوميًا يحثها على معاودة بدء عملها.
قبل عشر سنوات، قرأ ماركو برانكاتشو، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة، والذي جمعه تعاون بحثي مع هيستينجز عن جهاز لرصد الجلوتامات، هو مسبار فلوري يطلق عليه "شمام الصمغ" أو «آيجلوسنيفر» iGluSnFR. وطرح برانكاتشو فكرة استخدام هذا الجهاز للبحث بالشم عن الجلوتامات التي قد توجد في شرائح أدمغة الفئران التي كان يدرسها فريقه البحثي.
ويقول هيستينجز مسترجعًا أحداث تلك الفترة: "قلت لماركو إن هذا الإجراء سيكون مضيعة للوقت، لأننا لن نعثر على أية جلوتامات. لكن من حسن الحظ أنه تجاهل رأيي".
وجد برانكاتشو، الذي يعمل حاليًا لدى كلية إمبريال كوليدج لندن كمية وافرة من الجلوتامات في هذه الشرائح، واكتشف أن مستويات هذا الناقل تتذبذب بصفة دورية على غرار مستويات حمض الجاما أمينوبيوتيريك؛ ما أدهش كثيرًا من العلماء. غير أنه في الوقت الذي بلغت فيه مستويات حمض الجاما-أمينوبيوتيريك ذروتها نهارًا، بلغت مستويات الجلوتامات ذروتها ليلًا 4.
حول ذلك، يقول هيستينجز: "وجدنا الأمر محيرًا. فما الذي عساه يكون مصدر الجلوتامات؟". لكن قبل أن يمضي وقت طويل، اكتشف الفريق البحثي من خلال بحث أوردته الأدبيات العلمية أن المصدر الأرجح هو الخلايا النجمية، التي تمثل نوعًا من الخلايا لم يوليه الفريق الكثير من النظر سابقًا.
وهذا الاكتشاف، دفع الباحثين إلى بدء سلسلة من التجارب متزايدة التعقيد في هذا الإطار. وخلص الفريق البحثي إلى أن الخلايا النجمية تدعم الساعة البيولوجية بمنطقة النواة فوق التصالبية من خلال تنشيط أنظمة امتصاصها لحمض الجاما-أمينوبيوتيريك نهارًا، وتعطيل هذه الأنظمة ليلًا 4، 5.
وتُعد الدراسات التي تكشف دور الخلايا النجمية في دعم جوانب خفية عديدة من التعلم والتذكر مثيرة بدرجة كبيرة للاهتمام. على سبيل المثال، في واحدة من أولى أبرز التجارب التي أجرتها جوشين وفريقها البحثي باستخدام الأدوات الجديدة في المجال، ذهلوا عندما اكتشفوا أن الخلايا النجمية في أدمغة الفئران ترمّز المعلومات حول أماكن ما تكافأ به الفئران في التجارب. إذ تبين للفريق، أنه عندما تكون الفئران قد تعلمت بالفعل أين يمكن العثور على الماء الذي تكافأ به، يرتفع نشاط التأشير بالكالسيوم في الخلايا النجمية لدى هذه الحيوانات تدريجيًا مع اقترابها من مكافأتها. غير أن الفريق البحثي لم يجد ارتفاعًا في مستويات التأشير بالكالسيوم عندما سعت الفئران إلى الوصول إلى المكافأة نفسها في بيئة جديدة6. ويطرح هذا الاكتشاف تساؤلات مثيرة للاهتمام حول دور الخلايا النجمية في ترميز المعلومات للذاكرة المكانية.
وفي وقت سابق من هذا العام، أفادت فرق بحثية في اليابان والولايات المتحدة أن الخلايا النجمية تساعد في ترسيخ واسترجاع الذكريات التي تتكون في التجارب المخيفة 7، 8. فلأن إشارات الخلايا النجمية أبطأ كثيرًا من الإشارات الكهربية التي تطلقها الخلايا العصبية، ويستغرق اكتمال إرسالها أحيانًا ساعات أو حتى أيام وليس بضعة مللي ثوان، فهي تلائم عملية الوصل بين التعلم والتذكُر، بحسب ما يفيد جون ناجاي من مركز «رايكن» لأبحاث الدماغ في مدينة واكو اليابانية، والذي قاد إحدى الدراسات في هذا المجال. وهو ما يوضحه قائلًا: "يمكن النظر إلى الخلايا النجمية على أنها كاميرا تجمع اللقطات على فترات طويلة، لتحتفظ بآثار الأحداث المهمة التي لولا ذلك تتلاشى سريعًا".
ولأن الخلايا العصبية والنجمية تعملان معًا لمعالجة المعلومات، بدأ الباحثون يتساءلون عما إذا كانت الخلايا النجمية تسبِّب أو تفاقم الأمراض التي كان الكثيرون يعدونها ناجمة عن الخلايا العصبية.
ويكاد كاخ يجزم بأن لها هذا الأثر. فباستخدام مزيج من التقنيات، أثبت مع فريقه البحثي 9 أن تنشيط أو تعطيل إشارات محددة معتمدة على مستويات الكالسيوم في الخلايا النجمية لدى الفئران قد يعزز أو يكبح السلوكيات المرتبطة ببعض الحالات الذهانية، مثل اضطراب الوسواس القهري. وحسبما يفيد كاخ، بما أنه يبدو أن الخلايا النجمية تُعدل الدوائر العصبية التي تتحكم في مثل هذه السلوكيات، قد تخدم كمستهدف علاجي لدى التصدي لهذه الاضطرابات.
فقد تثبِّت جدواها كمستهدفات في علاج الأمراض العصبية، حتى إن لم تسفر عن شفاء تام. على سبيل المثال، ركزت أبحاث كاخ مع فريقه البحثي على داء هنتنجتون الذي ينجم عن طفرة في جين محدد. وهو داء تنكس عصبي فتاك يتسم بأعراض ذهانية وإدراكية وحركية محددة.
وبالاستعانة بنماذج من الفئران المصابة بهذا الداء، وتحليل بياناته في البشر، وقف الفريق البحثي على مجموعة من الجينات التي ينخفض التعبير عنها في الخلايا النجمية في منطقة الجسم المخطط الدماغية خلال الإصابة بهذا الداء10. وقد لعبت هذه الجينات بالدرجة الأولى دورًا في حماية البيئة المحيطة الداعمة للخلايا العصبية. وعندما استخدم الفريق البحثي أدوات جزيئية لتعزيز التعبير عن بعض هذه الجينات، أمكن تصحيح بعض السلوكيات المرتبطة بالداء. وحسبما يوضح كاخ، قد تُعد هذه النتائج ذات أهمية إكلينيكية في علاج الأعراض الذهانية والإدراكية المرتبطة بالمراحل الأولى من داء هنتنجتون، مثل صعوبة التركيز والتخطيط والتبلد والاكتئاب.
فيقول: "مما لا شك فيه أن الخلايا العصبية تتحكم في المرض، بيد أن جهات تطوير الأدوية عليها ألا تستهدف العلاجات القائمة على هذه الخلايا، لأنها - بداهةً - توجد في أنسجة تكون بحد ذاتها معتلة [في حال المرض]".
وهذا ينطبق، على سبيل المثال، على داء أُلزهايمر. فهذا الداء التنكسي العصبي الشائع، والذي تظهر فيه لويحات أميلويد في الدماغ، لطالما عرف عنه أن من أسبابه الخلايا الدبقية الصغيرة، التي تفرز جزيئات التهابية في محاولة لإزالة هذه اللويحات. وتصبح هذه الاستجابة الالتهابية أقل جدوى مع تقدم المرض؛ إذ يبدأ الالتهاب نفسه في مفاقمة تلف الأنسجة الدماغية.
ومؤخرًا، اكتشف بارت دي ستروبر اختصاصي علم الأعصاب من كلية لندن الجامعية وفريقه البحثي أنه في نماذج الفئران المصابة بداء أُلزهايمر تعمل الخلايا النجمية مع الخلايا الدبقية الصغيرة معًا وكأنهما تقريبًا وحدة واحدة لإسراع وتيرة هذا التلف النسيجي11. كذلك برهن الفريق البحثي على أن الخلايا النجمية قد تلعب دورًا في نشأة المرض، قبل وقت طويل من تراكم لويحات الأميلويد. ففي هذه المرحلة المبكرة، تبلغ الخلايا العصبية من النشاط درجة مرضية مفرطة، في حين يتراجع التأشير المعتمد على الكالسيوم في الخلايا النجمية. وعندما استخدم الفريق البحثي أداة جزيئية لتصحيح هذا الانخفاض في مستويات التأشير المعتمد على الكالسيوم، عاد نشاط الخلايا العصبية إلى مستوياته الطبيعية، ولم تُعد الفئران تظهر الأعراض المبكرة للمرض، مثل اضطرابات النوم 12.
وفي دراسة أخرى لم تخضع بعد لمراجعة الأقران 13 وتستخدم نموذجًا آخر من الفئران لتقصي أسباب داء أُلزهايمر، عمدت جوشين وفريقها البحثي إلى تنشيط مسار للتأشير المعتمد على مستويات الكالسيوم في الخلايا النجمية، ما أدى إلى استعادة تامة للقدرة على التذكر في هذه الفئران التي أظهرت أعراضًا تدل على تدهور وظائفها العصبية.
وقد بدأ العلماء مؤخرًا فقط في تكوين فهم دقيق لآليات تفاعل الخلايا الدبقية والخلايا العصبية. فيقول دي ستروبر: "أعتقد أنه بات من الواضح أن العلاجات المستقبلية ستحتاج إلى التركيز على جميع الخلايا التي تسهم في هذا المرض، لا الخلايا العصبية فحسب".
نماذج دماغية أفضل
بدأ الحماس للخلايا النجمية شيئًا فشيئًا يثير اهتمام اختصاصيي علم الأعصاب الحوسبي، الذين يستخدمون البيانات التجريبية للتحقق من صحة النظريات بشأن كيفية عمل الدماغ.
غير أن أغلب عمليات نمذجة الخلايا النجمية كانت صغيرة النطاق؛ تشمل بحد أقصى 100 خلية نجمية إلى جانب عدد من الخلايا العصبية، بحسب ما تفيد ماريا لينا لين اختصاصية علم الأعصاب الحوسبي من جامعة تامبيري في فنلندا. وقد صممت مع فريقها البحثي بالتعاوُن مع علماء من مركز يوليخ للأبحاث في ألمانيا ما يُعد إلى اليوم أكبر نموذج لمحاكاة عمل الخلايا النجمية، ويشمل بيانات حول التركيب الجزيئي والخلوي والبنيوي والتوصيل العصبي في هذه الخلايا من مصادر متعددة. كذلك أدمج الفريق البحثي هذا النموذج في منصة رقمية تضم أدوات أخرى لمحاكاة الشبكات العصبية الدماغية. (وهي منصة يدعمها مرفق أوروبي لأبحاث علم الأعصاب باسم «إيبراينز» EBRAINS في مركز يوليخ للحوسبة الفائقة). واليوم، بات بإمكان علماء الأعصاب استخدام بيانات التوصيل العصبي لنمذجة عدد يصل إلى مليون خلية نجمية وعصبية 14.
ويعتقد بعض الباحثين الذين درسوا الخلايا النجمية لعقود أن هذه الخلايا ربما تكون قد لعبت دورًا تطوريًا أفرز المهارات الإدراكية التي ينفرد بها البشر. في هذا الإطار، يقول أليكساي فيركراتسكي من جامعة مانشستر في المملكة المتحدة" "إن جانبًا كبيرًا من فيض البيانات التي صدرت مؤخرًا يؤيد صحة هذا الاعتقاد". فالخلايا النجمية البشرية تتسم ببنى أكثر تعقيدًا من نظيراتها لدى القرود والقوارض. أما الخلايا الشبيهة بالخلايا النجمية في الذباب، فهي أبسط كثيرًا. وتغطي الخلايا النجمية للبشر مساحة أكبر من الدماغ، تربو بما لا يقل عن عشرة أضعاف على تلك التي تغطيها الخلايا النجمية لدى الجرذان، كما يمتد منها عدد أفرع أكبر بعشرة أضعاف.
وحسبما يفيد فيركراتسكي، يبدو أن هذا يُترجم إلى ذكاء. من هنا، استزرعت مايكِن نيدرجارد اختصاصية علم الأعصاب من المركز الطبي التابع لجامعة روتشستر في مدينة نيويورك الأمريكية خلايا نجمية بشرية في فئران، لتكتشف مع فريقها أن هذه الخلايا لم تحتفظ بحجمها الكبير وتعقيدها فحسب، بل أن الفئران الخيمرية التي أدمجت بها هذه الخلايا البشرية أظهرت أيضًا ذكاءً أكبر على نحو ملحوظ من نظيراتها في مجموعة المقارنة في العديد من مهام التذكر15.
بعد عقود تجاهلها فيها العلماء، بدأت الخلايا النجمية تفتح آفاقًا عديدة للبحث والدراسة. فتقول ألِن: "إن حجم الأدبيات العلمية التي تصدر اليوم [حول الخلايا النجمية] من مختبرات مختلفة في مجالات عدة قد دفع العديد من المشككين في هذا المبحث إلى الإقرار بأن الخلايا النجمية تؤدي دورًا يستحق النظر والدراسة".
هذه ترجمة المقال الإنجليزي المنشور في دورية Nature بتاريخ 3 ديسمبر عام 2025.
doi:10.1038/nmiddleeast.2025.232
تواصل معنا: