أخبار

تحطيم الحاجز اللغوي: هل يُقاس قدر الباحث بمقدار إجادته للإنجليزية؟

نشرت بتاريخ 10 مارس 2025

يتطلع عالِم الأحياء تاتسويا أمانو إلى أن يرى ساحة العلوم وقد أصبحت أكثر إنصافًا لغير مُجيدي الإنجليزية.

ماريانا لنهارو

تاتسويا أمانو بصحبة أعضاء مبادرة «ترانزليت إي» translatE، التي تهدف إلى تيسير نقل العلوم البيئية إلى غير الناطقين بالإنجليزية.
تاتسويا أمانو بصحبة أعضاء مبادرة «ترانزليت إي» translatE، التي تهدف إلى تيسير نقل العلوم البيئية إلى غير الناطقين بالإنجليزية.
Credit: Naoki Katayama

دائمًا ما كان تاتسويا أمانو، الباحث الياباني في علم الأحياء، يجد صعوبة في تعلُّم اللغة الإنجليزية. ولكن لكونه باحثًا، فقد أدرك أنَّ عليه بذل جهدٍ أكبر إن أراد توصيل أبحاثه بلغة العلم. ولم يكد يصل إلى جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراه، لدراسة التغيرات التي تطرأ على التنوع البيولوجي على مستوى العالم، حتى فطِن إلى أنَّ معظم أترابه ممن لم تكن الإنجليزية لغتهم الأم يواجهون نفس التحديات؛ حيث يمضون وقتًا أطول بكثير في قراءة الأوراق البحثية وكتابتها وإعداد العروض التقديمية، مقارنةً بأقرانهم من أهل اللغة.

كذلك لاحظ أمانو أنه كثيرًا ما كان يُخلط بين جودة العمل البحثي وجودة الكتابة الإنجليزية؛ وتكون النتيجة رفض أوراق بحثية كثيرة لا لشيءٍ إلا لعدم استيفائها معايير لغوية بعينها. رأى الباحث في ذلك مظهرًا صارخًا من مظاهر غياب المساواة، وقرر أن يتصدى لهذه القضية، وأن يكون رأيه فيها مدعومًا بالبيانات. ومن هذا المنطلق، نشر على مدار السنوات العشر الماضية عدة دراسات تتقصى العوائق اللغوية في ميدان العلوم.

في واحدة من تلك الأوراق، وهي دراسة استقصائية، أفاد المشاركون غير الناطقين بالإنجليزية بأن معدَّل رفض أوراقهم كان أكثر بمرتين ونصف من أوراق أقرانهم الناطقين بالإنجليزية، وأن السبب في ذلك راجع إلى اعتبارات لغوية1. يعتقد أمانو أن تقييم تأثير الحواجز اللغوية تقييمًا موضوعيًا من شأنه رفع الوعي حول هذا التحيز، المستتر عادةً، ومن ثم تمهيد الطريق لإيجاد حلول لهذه المشكلة. يقول: "من الصعب جدًا على أصحاب اللسان الإنجليزي أن يتصوروا – فضلًا عن أن يعايشوا – فكرة أن يكون عدم إجادة الباحث للإنجليزية مكافئًا لعدم التمكُّن من مادته العلمية، وهكذا يكون الحال في كثيرٍ من الأحيان".

وفي هذا الحوار الذي أجْرته Nature مع أمانو، الذي يتخصص الآن في علم التنوع البيولوجي بجامعة كوينزلاند، الكائن مقرُّها بمدينة بريزبِن الأسترالية، أوضح كيف أن العلم سيكون هو الخاسر إن لم يُلتفت إلى أوجه عدم المساواة التي تنطوي عليها أو تتمخض عنها الحواجزُ اللغوية.

مَن مُعلمك، أو الشخص الذي ترك فيك أكبر الأثر؟ ولماذا؟

لو أنَّ لي أنْ أختار واحدًا، فهو بيل ساذرلاند، عالم الأحياء المتخصص في حفظ الأنواع البيولوجية بجامعة كامبريدج؛ وذلك لأنه كان دائمًا – ولا يزال – يدلُّني إلى كيفية إحداث تغيير ملموس في المجتمع. فخلال فترة التحاقي بفريقه باحثًا في مرحلة ما بعد الدكتوراه، تابعتُ كيف أطلق وقاد مشروع «كونزرفيشن إفيندنس» Conservation Evidence، المعني بجمع كل ما يساعد على حفظ الأنواع من أدلَّة، والذي استطاع من خلاله أن يحوِّل فكرته عن "إتاحة كافة الأدلة المتاحة عن فعالية إجراءات حفظ الأنواع2" إلى حقيقة واقعة. أسعدني الحظ بأن أكون شاهدًا على انطلاق هذا المشروع الضخم، الذي انخرط فيه الكثيرون حول العالم، وكان له تأثير كبير عليهم.

إيجاد الحلول هو الغاية التي يضعها ساذرلاند نُصب عينيه على الدوام. فعلى سبيل المثال، عندما أدرك أنّنا بحاجة إلى تقديم المزيد من البرامج التدريبية حول أهمية ممارسات الحفاظ على التنوع البيولوجي القائم على الأدلة للأجيال القادمة، سرعان ما شكل فريقًا يضم 117 مدربًا من 23 دولةً لإعداد مواد تعليمية، على أن تُتاح للجميع وتُنشر بعدة لغات. فلو لم أكن عضوًا في فريق ساذرلاند، ولم أشهد التأثير الكبير لتلك الجهود الذي بذلها، لربما سألت نفسي: "هل لي أن أدرس الحواجز اللغوية في ميدان العلوم، وأنا الباحث المتخصص في حفظ الأنواع؟". ولكن بفضل ساذرلاند وما تركه في نفسي من أثر، كنت واثقًا في طريقته، وأقبلت على هذه المسألة بلا تردد.

متى قررتَ التصدي لمظاهر غياب المساواة المتعلقة باللغة في ساحة العلوم؟

اليابانية هي لغتي الأم، وأواجه صعوبة في التواصل بالإنجليزية. وحتى الآن، أجد صعوبة في الكتابة بالإنجليزية، وتحضير المواد التي أستعين بها في المحاضرات. بل إن التحضير لهذه المقابلة لم يخلُ من صعوبة. في البداية، كنت أظنها مشكلة تتعلَّق بي دون غيري.،

 لكن بعد انتقالي إلى جامعة كامبريدج، أدركت أنَّ هذه المشكلة تواجه معظم الباحثين غير الناطقين بالإنجليزية.

ذات يوم، جلستُ أبحث عن عدد الأشخاص الذين لا يتحدثون الإنجليزية كلغة أم، لأجد أنّهم يمثلون 95% من سكان العالم. يا له من رقم هائل! وقلتُ لنفسي: لا يمكننا بالتأكيد أن نتجاهل مسألة تؤثر على مشاركة هذا القطاع العريض من سكان العالم. ومع ذلك، فهي لا تحظى باهتمام أكاديمي جاد. وكانت تلك هي اللحظة التي شعرت فيها بالرغبة في إحداث تغيير حقيقي في مجال العلوم، بحيث يكون أكثر ترحيبًا بالباحثين من غير الناطقين بالإنجليزية.

كيف تعاملت مع مظاهر التمييز على المستويين الشخصي والمهني؟

في أبريل الماضي، رُفضت ورقة بحثية شاركت في كتابتها بالإنجليزية، لعدم استيفاء مستوى الكتابة لمعايير الدورية. وهو أمرٌ لا يزال شائع الحدوث، مع الأسف.

لفترةٍ طويلة، كان الكثيرون منّا – نحن الباحثين غير الناطقين بالإنجليزية – يعتقدون أن الخطأ خطؤهم، وأنهم هم من يتحمَّلون مسؤولية رفض أوراقهم. وإذا بالمجتمع العلمي بأكمله ينحى بمسؤولية تخطِّي العوائق اللغوية على الأفراد وحدهم. إلا أنَّني أرى في ذلك مظهرًا جليًّا من مظاهر انعدام المساواة، يُكبِّد المجتمع العلمي خسائر جسيمة، لأنَّنا بذلك نفقد عددًا هائلًا من الباحثين أصحاب المواهب الاستثنائية. لذلك نجد، مثلًا، أن العديد من المشاركين في الدراسة الاستقصائية المُشار إليها آنفًا1 أعربوا عن شعورهم بالاستياء والقلق والتوتر بسبب اضطرارهم إلى كتابة أبحاثهم بالإنجليزية. وأفادوا كذلك بأنَّ الحواجز اللغوية تقف حجر عثرة في طريق شباب الباحثين، فتحُول بينهم وبين مواصلة حياتهم الأكاديمية.

ولهذا، وإسهامًا منَّا في إيجاد حلول للتصدي لهذه الصورة من صور عدم المساواة، أقدمنا على مراجعة سياسات النشر لدى أكثر من 700 دورية متخصصة في علم الأحياء3. وطرحنا على تلك الدوريات مجموعة من السياسات التي تتسم الشمولية اللغوية . من ذلك، على سبيل المثال، أننا أوصينا بالسماح بنشر المسوَّدات والملخصات البحثية باللغة الأم للباحث، وأن تُعلن الدوريات بوضوح أن المسوَّدات البحثية سوف تُقيَّم تقييمًا عادلًا، بغضّ النظر عن مستوى الكتابة الإنجليزية التي يفضِّلها المُراجع. إنني أسعى إلى أن نتبيَّن هذه الحواجز أولًا، ومن ثم أطرح حلولًا فعالة للتغلب عليها.

لو أنَّ ثمة شيئًا واحدًا ترغب في تغييره في طريقة إجراء البحث العلمي، فما هو؟

إلى يومنا هذا، ينظر المجتمع العلمي إلى الباحثين غير الناطقين بالإنجليزية من منظور العجز والقصور، ولا يرون فيهم شيئًا سوى عدم إتقانهم للإنجليزية. أودُّ لو أستطيع تغيير هذه النظرة، بحيث يُنظر إليهم من زاوية ما لديهم من طاقات وإمكانات. ذلك أن تحدُّثك لغةً أخرى غير الإنجليزية يعني أن لديك مهارةً أخرى لا يُستهان بها: وهي إقامة الجسور المعرفية بين المجتمعات، إضافةً إلى امتلاكك رؤًى وأفكارًا وآراء مميزة. دعني أضرب لك مثلًا: في ورقة4 نُشرت عام 2021، كشف فريقي البحثي أنَّ الأدلة العلمية الهامة حول جهود الحفاظ على التنوع البيولوجي غالبًا ما تنشر بلغات غير الإنجليزية، وأنَّها تعد موردًا علميًا مهمًا لحماية الأنواع المهددة بالانقراض. فقد تغفل التقارير الدولية عن هذه المعلومات بالغة الأهمية، والتي لا غنى عنها للتغلب على التحديات التي تواجه جهود حفظ الأنواع البيولوجية محليًّا وعالميًا.

استطعنا أن نحدد تلك الأدلة، وأن نقيِّم مدى توفرها بفضل تعاوننا مع أكثر من 50 باحثًا من مختلف أنحاء العالم، حيث شاركوا بأبحاث بلغ إجمالي عدد اللغات التي كتبت بها 17 لغة. كان لمهارات هؤلاء الباحثين الفريدة دورٌ أساسي في إنجاح مشروعنا، ورأينا كم هي ضرورية للتصدي للتحديات العالمية مثل أزمة فقدان التنوع البيولوجي.

هل من نصيحة تود أن تسديها إلى الباحثين ومحرري الدوريات العلمية للمساعدة في التغلب على الحواجز اللغوية في ميدان العلوم؟

نصيحتي للمشرفين الأكاديميين والزملاء المشاركين في كتابة الأبحاث هي تقبُل فكرة أنَّ الباحثين من غير أصحاب اللسان الإنجليزي قد يحتاجون إلى مزيد من الوقت لقراءة الأبحاث وكتابتها بالإنجليزية. وبإمكانهم أيضًا الوقوف إلى جانب هؤلاء الباحثين بأن يدلُّوهم على زملاء يمكنهم مساعدتهم في كتابة الأبحاث. وعلاوة على ذلك، يمكن للجامعات أن تتيح مزيدًا من فرص التدريب على القراءة والكتابة بالإنجليزية. أما الدوريات العلمية، فحبَّذا لو تشجع على ترجمة الأوراق البحثية، وأن تتيح الملخصات بلغات غير الإنجليزية. وأما المؤسسات التمويلية، فبإمكانها أن تدشن منحًا لدعم خدمات الترجمة والتحرير بالإنجليزية، توجَّه خصّيصًا للباحثين من البلدان ذات الدخل المنخفض. وكذلك يمكن للمؤتمرات العلمية تطبيق نظام الاستعانة بزميل، بهدف مساعدة غير الناطقين بالإنجليزية على إعداد العروض التقديمية، بالإضافة إلى التشجيع على تقديم العروض بأكثر من لغة.

فإذا أتينا إلى الترجمة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، نجد أنها قد تُعين على تخطي تلك الحواجز اللغوية، لكنّها قد تُنتج في المقابل صورًا أخرى من انعدام المساواة. فمن ناحية، أداء الذكاء الاصطناعي يختلف من لغةٍ إلى أخرى؛ ومن ناحية ثانية، يُلاحظ أن أدوات الذكاء الاصطناعي عالية الجودة ليست مجانية؛ ويُضاف إلى ذلك أن السياسات التي تطبقها الدوريات العلمية بشأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ربما تكون متحيزةً لصالح أصحاب اللسان الإنجليزي.

هل لك أن تخبرنا بشيء لا يعرفه عنك إلا أفراد أسرتك؟

أجد متعة كبيرة في الانخراط في الأنشطة العائلية. ابنتي، مثلًا، شغوفة بموسيقى الجاز والرقص الإيقاعي. وأحرص أنا وسائر أفراد الأسرة على حضور المسابقات التي يشترك فيها فريقها، وأستمتع بتقييم أداء جميع الفرق كما لو أنَّني عضو في لجنة التحكيم. أقوم بذلك على سبيل التسلية، والتسلية وحدها، وأشارك تقييمي لأداء الفرق مع عائلتي. وفي بعض الأحيان، أسير مزهوًّا بين أفراد الأسرة إن جاء تقييمي متفقًا مع تقييم لجنة التحكيم، وينتابني الإحباط إن جاء مخالفًا .

وشيءٌ آخر: ابنتاي مغرمتان بمسلسل الرسوم المتحركة الياباني «بوكيمون»، وأنا أستمتع معهما بهذا العالم العميق والمثير، بما فيه من وحوش كرتونية. أزعم أن معرفتي بهذا المسلسل جيدة، حتى إنَّني أستطيع التعرف على العديد من الشخصيات المرسومة على بطاقات اللعب الورقية، والتي يبلغ عددها 1025 شخصية. بل إن لي تجربة قصيرة مع ألعاب الفيديو الخاصة بسلسلة «بوكيمون»، وكذلك اكتشفت أنَّ اللعب ببطاقاتها الورقية قد يتطلب بعض الاستراتيجيات المعقدة.

 

حُررت هذه المقابلة مراعاةً للطول والوضوح.

* هذه ترجمة المقال الإنجليزي المنشور بمجلة Nature بتاريخ 10 فبراير 2025.

doi:10.1038/nmiddleeast.2025.27


References

1. Amano, T. et al. PLoS Biol. 21, e3002184 (2023).

2. Sutherland, W. J., Pullin, A. S., Dolman, P. M. & Knight, T. M. Trends Ecol. Evol. 19, 305–308 (2004).

3. Arenas-Castro, H. et al. Preprint at EcoEvoRxiv https://doi.org/10.32942/X2NS3K (2023).

4. Amano, T. et al. PLoS Biol. 19, e3001296 (2021).