ثلاث خطوات لسرعة وبراعة أكبر في مراجعة
الأوراق البحثية بالذكاء الاصطناعي
03 April 2025
ثلاث خطوات لسرعة وبراعة أكبر في مراجعة الأوراق البحثية بالذكاء الاصطناعي
نشرت بتاريخ 3 أبريل 2025
هل أصابك الضجر يومًا لقضائك ساعات لا حصر لها كمراجع لورقة بحثية: يمكن لسير عمل مدعوم بالذكاء الاصطناعي أن يقدم لك الحل.
Credit: Getty/Shutterstock
هل شعرت يومًا أن موافقتك على مراجعة ورقة بحثية تعني إهدارك ليوم عمل كامل؟ لست وحدك في ذلك. يقضي عديد من الباحثين ساعات طويلة في تصحيح المسودات البحثية، إلا أنهم يدركون في نهاية المطاف أنهم بحاجة إلى مزيد من الوقت لكي يتمكنوا من استيعاب محتويات البحث قبل أن يتمكنوا من تدوين تعليقاتهم وملاحظاتهم بطريقة لا تخلو من التماسك والمنطقية. لذا لم يعد مستغربًا أن يرفض الباحثون الدعوات الموجهة إليهم لإجراء مثل هذه النوعية من المراجعات؛ فقد أصبح ذلك الرفض وسيلتهم الوحيدة للحفاظ على وقتهم وطاقتهم من الإهدار.
إلا أننا لا يمكن أن نغفل أن العلم عمل جماعي؛ كما أننا نعي جميعًا أن كثيرًا من المحررين يجدون صعوبة بالغة في العثور على مراجعين مؤهلين يمكنهم التعقيب على الأوراق البحثية بجودة عالية رغم ضيق الوقت المخصص لعملية المراجعة. كذلك لا يخفى علينا أنه إذا ظل الأشخاص الأكثر علمًا ومعرفة يرفضون طلبات المحررين، فإن النتيجة أن العلم هو الذي سيتضرر.
ولكي أتمكن من استيضاح جوانب هذه المشكلة بشكل أكثر تفصيلًا، أجريتُ استطلاع رأي غير رسمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ومن خلال بعض المنشورات على موقع «فيسبوك» ومنصة «لينكد إن» في شهر يناير الماضي، سألت عن كم الوقت الذي يقضيه زملاؤنا من الباحثين الأكاديميين في مراجعة الأوراق البحثية. بلغ عدد الردود على هذا الاستطلاع ما يقرب من 900 رد وصلتني من باحثين أكاديميين. قال أكثر من 40% من المشاركين إنهم يقضون في العادة ما بين ساعتين إلى أربع ساعات في عملية المراجعة الواحدة؛ في حين ذكر أكثر من 25% من هؤلاء الباحثين أنهم ينفقون أكثر من أربع ساعات في هذا العمل؛ بينما أقرت نسبة استثنائية يبلغ عدد أفرادها 14% من العينة التي شاركت في الاستطلاع بأنهم يقضون أكثر من أربع ساعات، وفي بعض الأحيان تزيد هذه المدة إلى يوم عمل كامل بإجمالي ثماني ساعات أو ربما أكثر (انظر "مراجعات مطولة"). في واقع الأمر أصيب بعض المشاركين في الاستطلاع بالذهول عند اطلاعهم على هذه الأرقام، لا سيما بالنظر إلى أن التعليقات التي يبديها بعض المراجعين تبدو مفككة أو سطحية للمؤلفين عندما يحاولون فهم مغزاها.
مراجعات مطولة
في استطلاع رأي غير رسمي أُجري عبر موقعي «فيسبوك» و«لينكد إن»، سأل دريتجون جرودا متابعيه عن مقدار الوقت الذي يقضونه عادة في إجراء مراجعة الأقران. وشارك في الاستطلاع ما يقرب من 900 باحث أكاديمي.
من هذا المنطلق ثمة سؤال يطرح نفسه: ماذا لو كانت هناك طريقة أكثر كفاءة لمراجعة الورقة البحثية، دون المساس بجودة عملية المراجعة ونزاهتها؟ تمكنت على مر السنين من الوصول إلى طريقة مثلى ساعدتني في أن أقلص بدرجة كبيرة الوقت الذي أقضيه في كل عملية مراجعة، مع الاستمرار في تقديم مراجعة نقدية شاملة وبنّاءة. أوضح فيما يأتي كيف تسري هذه العملية.
ثلاث خطوات بسيطة!
تنقسم عملية المراجعة المذكورة إلى ثلاث خطوات بسيطة:
المسح السريع: عليك أولا أن تتصفح سريعًا ملخص الورقة البحثية ومقدمتها ومنهجيتها ونتائجها، مع التركيز على الصورة العامة. وإذا بدا لك الجزء التحليلي قويًا ومتماسكًا، فحينئذ يمكنك أن تواصل قراءة الورقة البحثية حتى النهاية. أما إذا اكتشفت عيوبًا صارخة، فستدرك حينها أنه من المرجح رفض الورقة البحثية؛ ومن ثمَّ فلا داعي لاستمرارك في مراجعة المسودة بأكملها.
الأوامر الصوتية: استخدم ميزة الأوامر الصوتية في أداة تحرير النصوص التي تختارها (على سبيل المثال، ميزة «الوصول الصوتي» Voice Access في نظام التشغيل «ويندوز» أو «التحكم بالصوت» Voice Control في نظام التشغيل «ماك») لتسجيل أفكارك آنيًا أثناء القراءة. بهذه الطريقة، لن تكون مضطرا إلى تدوين ملاحظاتك خطيًا ولن تحتاج إلى تذكر تعليقاتك على الورقة البحثية لكتابتها في وقت لاحق؛ وهو ما سيوفر الكثير من الوقت بلا شك.
التنقيح: وصلت الآن إلى مرحلة إدخال ملاحظاتك الصوتية في أحد النماذج اللغوية الكبيرة غير المتصلة بشبكة الإنترنت بهدف توضيح تعليقاتك على الورقة البحثية وتنظيمها. يكفي في تلك الحالة طباعة توجيه بسيط مثل "اكتب خطابًا للمراجعة النقدية بناءً على الملاحظات الآتية. وحافظ على نبرة احترافية في جميع مراحل الكتابة". وإذا كنت غير ملم بكيفية صوغ الأكواد البرمجية، فلا تقلق؛ ما من مشكلة؛ فثمة أدوات مثل «GPT4ALL» (انظر "كيفية صوغ إعدادات نموذج لغوي كبير وتشغيله على جهازك دون اتصال بالإنترنت") تتيح لك تحميل نماذج لغوية كبيرة وتشغيلها دون اتصال بشبكة الإنترنت، لذلك لن يتطلب الأمر رفع مخطوطات حساسة وتحميلها سحابيًا؛ فالحفاظ على السرية مسألة غير قابلة للتفاوض عندما يتعلق الأمر بالبحوث غير المنشورة؛ كما أن رفع أي محتوى إلى منصات خارجية يمكن أن يسبب مشكلات أخلاقية أو حتى قانونية.
كيفية صوغ إعدادات نموذج لغوي كبير وتشغيله على جهازك دون اتصال بالإنترنت
عندما يكون الحفاظ على السرية مطلبًا لازمًا لا غنى عنه، فإن استخدام نظام غير متصل بالإنترنت و"بلا أكواد برمجة" مثل أداة «GPT4ALL» مسألة لا تحتاج إلى تفكير لحماية البحوث التي تتناول موضوعات حساسة أو البحوث غير المنشورة. وفيما يأتي أدناه توضيح لكيفية البدء في استخدام هذه الأداة.
1- عليك أولا تثبيت روبوت الدردشة «GPT4ALL» (وهو متاح لأنظمة التشغيل «ويندوز« و«ماك» و«أوبونتو لينكس»).
2- اختر النموذج اللغوي الكبير الذي تريد استخدامه، ثم قم بتشغيل «GPT4ALL» وانقر فوق العنوان "Models" في الجهة اليسرى من لوحة التشغيل وقم بتنزيل النموذج اللغوي الكبير المناسب لاحتياجاتك. ينبغي عليك أن تحقق توازنًا بين جودة المخرجات والأجهزة المطلوبة؛ فالنموذج اللغوي الأكبر ليس الأفضل دائمًا إذا كانت النتيجة أن يؤدي إلى اختناق نظام التشغيل لديك. عليك أيضًا أن تتحقق من المتطلبات الحوسبية والترخيص الخاص بكل نموذج قبل تنزيله، لا سيما إذا كنت تستخدم نموذجًا تجاريًا أو متخصصًا. كذلك إذا كانت ذاكرة الوصول العشوائي لنظامك محدودة، فحاول استخدام نموذج أصغر ذي متطلبات حوسبية أقل. لا بد أيضا من توخي الحذر من النماذج التجارية التي تتولى تمرير البيانات إلى السحابة، الأمر الذي من شأنه اختراق الخصوصية أو سرية البيانات. على سبيل المثال، إذا كانت متطلبات النموذج من أنظمة التشغيل بسيطة إلى حد مريب، فمن المحتمل أنه يستخدم موارد خارجية. وعليك أن تتذكر أيضا أن الميزة الأساسية لتطبيق «GPT4ALL» أنه مخصص للاستخدام المحلي؛ ومن ثمَّ، فإنه يضمن سرية بياناتك وعدم تداولها خارج نطاق بيئتها الآمنة المتمثلة في جهاز الكمبيوتر الخاص بك.
3- الدردشة. ابدأ محادثة بالنقر فوق العنوان "Chats". بعد برهة قصيرة من تحميل النموذج، من المفترض أن تظهر لك واجهة تشبه واجهة الدردشة حيث يمكنك كتابة أو لصق النصوص والملاحظات. اطلب اقتراحات للتوضيح أو إعادة الصياغة أو إدخال تحسينات هيكلية. وأخيرًا، لا بد أن تراجع مخرجات النموذج بصفة دائمة وبعناية فائقة قبل دمجها في المراجعة النهائية.
بيد أننا لا بد أن نوضح نقطة مهمة؛ ألا وهي أن استخدامك لتلك النماذج اللغوية الكبيرة ليس الهدف منه أن تقوم تلك الأدوات بتنفيذ عملية المراجعة بالكامل نيابة عنك. فبالرغم مما تشير إليه بيانات دراسة استقصائية لعدد من المسودات البحثية على خادم «أركايف» arXiv في يناير من أن مراجعة الأوراق البحثية العلمية بطريقة مؤتمتة أو آلية من الممكن أن تسهم في تسريع عمليات تقييم الأوراق البحثية ونظمها بشكل جيد، إلا أن الأدوات المستخدمة في مثل هذه المراجعات المؤتمتة لا تزال تحيط بها إشكاليات تتعلق بالخبرة المطلوبة لكل مجال بحثي وقضايا التحيز وأمن البيانات1. عوضًا عن ذلك، من المستحسن استخدام النماذج اللغوية الكبيرة لرصد حالات التكرار والحشو وتحسين الصياغة وتنظيم الاقتراحات (للاطلاع على التوجيهات، انظر عمودي السابق عبر الرابط: https://www.nature.com/articles/d41586-024-01042-3). من هذا المنطلق سيتعين عليك بصفتك المراجع إصدار الحكم النهائي على منهجية الورقة البحثية ونتائجها ومساهمتها الإجمالية في التخصص المعني.
ومع نهاية هذه العملية، يفترض أن يصبح لديك مجموعة من التعليقات والملاحظات المنظَّمة لكل قسم على حدة والتي يمكنك تنقيحها سريعًا وصوغها في شكل تقرير مراجعة منطقي ومتماسك. إلا أنه من المهم أيضا أن تتأكد من مراجعة سياسة جهة النشر فيما يتعلق باستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية قبل البدء في عملية المراجعة. فبعض جهات النشر لا تجد بأسًا في استخدام المراجعين لتلك الأدوات في ترتيب التعليقات المكتوبة وتنظيمها. إلا أنها عادة ما ترد بـ "الرفض" القاطع فيما يخص رفع نصوص المسودات البحثية أو تقارير المراجعة وتحميلها على السحابة؛ لأن السرية في تلك الحالة تكون على المحك. إن تشغيل نموذج لغوي كبير محليًا ودون اتصال بالإنترنت يبقيك داخل نطاق الحدود التي تفرضها سياسات النشر ويحمي خصوصية المؤلفين ورغبتهم في عدم الكشف عن هويتهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن تلك القيود تمنع استغلال أعمال الباحثين في تدريب النماذج اللغوية الكبيرة مستقبلًا.
النتائج والدروس
بمقدوري أن أقول إن تنظيم سير العمل بهذه الطريقة قد ساعدني في استعادة ساعات لا حصر لها في جدول أعمالي. كنت في المعتاد أقضي نصف يوم في مراجعة مسودة بحثية واحدة؛ أما الآن فيكفيني وقت يتراوح بين ثلاثين وأربعين دقيقة إذا كانت منهجية البحث سليمة. بل إن العملية تصبح أسرع وأقصر إذا كانت هناك عيوب خطيرة في المخطوطة البحثية. إذ لا توجد حاجة لتحسين بحث غير قابل للنشر.
كذلك صارت التعليقات والملاحظات التي أدونها أكثر دقة بشكل عام عن ذي قبل؛ فاستخدام الأوامر الصوتية لإملاء تلك الملاحظات بشكل آني يلزمني بـ "مناقشة" تفاصيل الورقة البحثية بالكامل بدلا من الاكتفاء بتدوين الملاحظات؛ كما يتيح لي ذلك توضيح انتقاداتي للورقة البحثية في التو واللحظة، وهو الأمر الذي غالبًا ما يمكنني من الكشف عن الفجوات المنطقية التي كان من المحتمل أن أُفوتها لولا تلك المنهجية. وأخيرًا فإن تلك الأوامر الصوتية تعزز تفاعلي مع الورقة البحثية، وهو ما سيؤدي بلا شك إلى تقديم تغذية راجعة أكثر وضوحًا وتركيزًا.
لقد عززت عملية المراجعة بهذه الطريقة وجهة نظري بشأن الأمور التي يتعين على المراجعين القيام بها وكذلك ما لا ينبغي عليهم القيام به. إن وظيفتنا لا تتمثل في إعادة صياغة البحث ولا في تصحيح جميع الأخطاء المطبعية والإملائية التي تصادفنا؛ بل إن دورنا يتلخص في تقييم ما إذا كان البحث يسهم في تطوير مجال التخصص المعني أم لا. أما إذا كانت الدراسة تحوي عيوبًا جوهرية، فعلينا أن نوضح ذلك دون الاستغراق في مراجعات مطولة.
بيد أنه بإمكان المحررين أيضًا النهوض بدور أكبر. على سبيل المثال، ينبغي على المحررين الاهتمام بالفحص المسبق للمسودات البحثية ورفض أية مسودة غير مستوفية للمتطلبات منذ البداية. إن تمرير مثل هذه الأوراق البحثية إلى المراجعين ليس له معنى سوى أن المحررين يتخلون عن واجباتهم ويلقون مسئولياتهم على آخرين؛ كما أن ذلك ينتقص من دور المحررين ويحولهم إلى مجموعة من الموظفين الإداريين الذين تقع عليهم مسؤولية تمرير هذه المخطوطات في الفضاء الرقمي. أما المحررون المتميزون أصحاب الكفاءة فإنهم يقدمون النصح والإرشاد ويتخذون القرارات الصعبة؛ لأن هذه ببساطة هي وظيفتهم.
أما نحن العاملون في الوسط الأكاديمي، فمطلوب منَّا التوفيق بين كثير من الواجبات والمسؤوليات، التي من بينها التدريس وكتابة طلبات المنح وإجراء البحوث وغيرها الكثير. على هذا الأساس لا تكون لدينا رفاهية قضاء أيام في مراجعة مسودة بحثية واحدة، لا سيما مع زيادة أعداد البحوث والدراسات المقدمة. إلا أن الاستسلام ورفع الراية البيضاء لن يكون حلًا ناجعًا؛ فمن خلال التركيز على الأجزاء الأكثر أهمية في الورقة البحثية والجمع ما بين الكفاءة في تدوين الملاحظات وبين قوة النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي، يمكننا أن نعطي المؤلفين الملاحظات التي يحتاجون إليها دون أن نرهق أنفسنا ونستنفد طاقتنا. هذه العملية لن تقلل فقط من عبء الجهد المعرفي الذي يبذله المراجعون، وإنما أيضًا ستحافظ على سلامة نظام المراجعة؛ لأنها تضمن أن يستمر المراجعون من ذوي الخبرة في ممارسة عملهم.
من الوارد أنك إذا صادفت ورقة بحثية في مجال تخصصك البحثي تحديدًا – من النوع الذي يطرح أفكارا جديدة أو يدعو إلى تفاعل فكري أعمق - فربما تقرر قضاء مزيد من الوقت في فحصها سطرًا بسطر. ولكن بالنسبة إلى معظم عمليات المراجعة الروتينية، فإن استخدامك لنهج مركّز ومنظم إلى جانب ذكائك في تفويض المهام والمسئوليات يضمن لك إنجاز العمل في زمن وجيز.
أخيرا وليس آخرا، تظل مراجعة الأقران ركيزة أساسية للتقدم العلمي، إلا أنه ينبغي لنا ألا نتركها تستنزف وقتنا وطاقتنا.
هذه ترجمة للمقال الإنجليزي المنشور في مجلة Nature بتاريخ 4 مارس عام 2025 .
doi:10.1038/nmiddleeast.2025.37
تواصل معنا: